قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن
حَدَّثَنَا أَبِي ) هُوَ الْأَسَدِيُّ الَّذِي يُعْرَفُ
بِالتَّلِّ بِالْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيد اللَّام , وَاسْم وَالِد
الْحَسَن الزُّبَيْر , وَعُمَر كُوفِيّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ
سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الزَّكَاة , وَهُوَ مِنْ صِغَار
شُيُوخه . وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد
بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ حَفْص بْن غِيَاث دَرَجَة , فَإِنَّهُ يَرْوِي
الْكَثِير عَنْ وَلَده عُمَر بْن حَفْص وَغَيْره مِنْ أَصْحَاب حَفْص ,
وَهُنَا لَمْ يَصِل لِحَفْصٍ إِلَّا بِاثْنَيْنِ , وَبِالنِّسْبَةِ
لِرِوَايَةِ هِشَام بْن عُرْوَة دَرَجَتَيْنِ فَإِنَّهُ قَدْ سَمِعَ
مِنْ بَعْض أَصْحَابه وَأَخْرَجَ هَذَا فِي الصَّحِيح فِي كِتَاب
الْعِتْق مِنْهُ " حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن مُوسَى عَنْ هِشَام بْن
عُرْوَة مِنْ مُسْنَد أَبِي ذَرّ " , وَالسَّبَب فِي اِخْتِيَاره
إِيرَاد هَذِهِ الطَّرِيق النَّازِلَة مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ
الزِّيَادَة عَلَى رِوَايَة غَيْره كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ .
قَوْله : ( وَمَا رَأَيْتهَا ) فِي رِوَايَة
مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه " وَلَمْ أُدْرِكهَا " وَلَمْ أَرَ هَذِهِ
اللَّفْظَة إِلَّا فِي هَذِهِ الطَّرِيق , نَعَمْ أَخْرَجَهَا مُسْلِم
مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ " وَمَا
رَأَيْتهَا قَطُّ " وَرُؤْيَة عَائِشَة لِخَدِيجَةَ كَانَتْ مُمْكِنَة
, وَأَمَّا إِدْرَاكهَا لَهَا فَلَا نِزَاع فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ
لَهَا عِنْد مَوْتهَا سِتّ سِنِينَ , كَأَنَّهَا أَرَادَتْ بِنَفْيِ
الرُّؤْيَة وَالْإِدْرَاك النَّفْيَ بِقَيْدِ اِجْتِمَاعهمَا عِنْد
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَيْ لَمْ أَرَهَا
وَأَنَا عِنْده وَلَا أَدْرَكَتْهَا كَذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي
بَعْضِ طُرُقه عِنْد أَبِي عَوَانَة " وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْل أَنْ
يَتَزَوَّجنِي " .
قَوْله : ( وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِر ذِكْرهَا ) فِي
رِوَايَة عَبْد اللَّه الْبَهِيّ عَنْ عَائِشَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ
" وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَة لَمْ يَسْأَم مِنْ ثَنَاء عَلَيْهَا
وَاسْتِغْفَار لَهَا " .
قَوْله : ( فَرُبَّمَا قُلْت
إِلَخْ ) هَذَا كُلّه زَائِد فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ,
فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيث مُسْلِم وَأَبُو عَوَانَة
وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق سَهْل بْن عُثْمَان
وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي هِشَام الرِّفَاعِيّ كُلّهمْ عَنْ حَفْص
بْن غِيَاث بِدُونِهَا .
قَوْله : ( كَأَنَّهُ لَمْ
يَكُنْ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " كَأَنْ لَمْ "
بِحَذْفِ الْهَاء مِنْ كَأَنَّهُ .
قَوْله : ( إِنَّهَا
كَانَتْ وَكَانَتْ ) أَيْ كَانَتْ فَاضِلَة وَكَانَتْ
عَاقِلَة وَنَحْو ذَلِكَ , وَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث مَسْرُوق عَنْ
عَائِشَة " آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاس , وَصَدَّقَتْنِي إِذْ
كَذَّبَنِي النَّاس , وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاس
, وَرَزَقَنِي اللَّه وَلَدهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَاد النِّسَاء " .
قَوْله : ( وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَد )
وَكَانَ جَمِيع أَوْلَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ خَدِيجَة , إِلَّا إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ
جَارِيَته مَارِيَة , وَالْمُتَّفَق عَلَيْهِ مِنْ أَوْلَاده مِنْهَا
الْقَاسِم وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى , مَاتَ صَغِيرًا قَبْل الْمَبْعَث
أَوْ بَعْده , وَبَنَاته الْأَرْبَع : زَيْنَب ثُمَّ رُقْيَة ثُمَّ
أُمّ كُلْثُوم ثُمَّ فَاطِمَة , وَقِيلَ : كَانَتْ أُمّ كُلْثُوم
أَصْغَر مِنْ فَاطِمَة , وَعَبْد اللَّه وُلِدَ بَعْد الْمَبْعَث
فَكَانَ يُقَال لَهُ الطَّاهِر وَالطَّيِّب , وَيُقَال هُمَا أَخَوَانِ
لَهُ , وَمَاتَتْ الذُّكُور صِغَارًا بِاتِّفَاقٍ , وَوَقَعَ عِنْد
مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث هَذِهِ فِي آخِر الْحَدِيث "
قَالَتْ عَائِشَة : فَأَغْضَبْته يَوْمًا فَقُلْت خَدِيجَة , فَقَالَ :
إِنِّي رُزِقْت حُبّهَا " قَالَ الْقُرْطُبِيّ كَانَ حُبّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْره مِنْ
الْأَسْبَاب , وَهِيَ كَثِيرَةٌ , كُلٌّ مِنْهَا كَانَ سَبَبًا فِي
إِيجَاد الْمَحَبَّة . وَمِمَّا كَافَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ خَدِيجَة فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ لَمْ
يَتَزَوَّج فِي حَيَاتهَا غَيْرهَا , فَرَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيق
الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : " لَمْ يَتَزَوَّج
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَدِيجَة حَتَّى
مَاتَتْ " وَهَذَا مِمَّا لَا اِخْتِلَاف فِيهِ بَيْن أَهْل الْعِلْم
بِالْأَخْبَارِ , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى عِظَمِ قَدْرهَا عِنْده وَعَلَى
مَزِيد فَضْلهَا لِأَنَّهَا أَغْنَتْهُ عَنْ غَيْرهَا وَاخْتَصَّتْ
بِهِ بِقَدْرِ مَا اِشْتَرَكَ فِيهِ غَيْرهَا مَرَّتَيْنِ , لِأَنَّهُ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَ بَعْد أَنْ تَزَوَّجَهَا
ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ عَامًا اِنْفَرَدَتْ خَدِيجَة مِنْهَا
بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا وَهِيَ نَحْو الثُّلُثَيْنِ مِنْ
الْمَجْمُوع , وَمَعَ طُول الْمُدَّة فَصَانَ قَلْبهَا فِيهَا مِنْ
الْغَيْرَة وَمِنْ نَكَد الضَّرَائِر الَّذِي رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ
هُوَ مِنْهُ مَا يُشَوِّش عَلَيْهِ بِذَلِكَ , وَهِيَ فَضِيلَة لَمْ
يُشَارِكهَا فِيهَا غَيْرهَا . وَمِمَّا اِخْتَصَّتْ بِهِ سَبْقهَا
نِسَاء هَذِهِ الْأُمَّة إِلَى الْإِيمَان , فَسَنَّتْ ذَلِكَ لِكُلِّ
مَنْ آمَنَتْ بَعْدهَا , فَيَكُون لَهَا مِثْل أَجْرهنَّ , لِمَا
ثَبَتَ " أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّة حَسَنَة " وَقَدْ شَارَكَهَا فِي
ذَلِكَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَال , وَلَا
يُعْرَف قَدْر مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الثَّوَاب بِسَبَبِ ذَلِكَ
إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِي هَذِهِ
الْأَحَادِيث دَلَالَة لِحُسْنِ الْعَهْد , وَحِفْظ الْوُدّ ,
وَرِعَايَة حُرْمَة الصَّاحِب وَالْمُعَاشِر حَيًّا وَمَيِّتًا ,
وَإِكْرَام مَعَارِف ذَلِكَ الصَّاحِب .
|