|
أولاد إسماعيل
إلى أبناء أبينا إبراهيم في كل مكان أولاد إسماعيل … و أولاد إسحاق أولاد هاجر الجميلة … وسارة الحبيبة حان الآن أن يجتمع .. أن يتحد أولاد إبراهيم المتفرقين .. من ذا الذي يقدر أن يجمع المتفرقين إلى واحد؟ من ذا الذي يقدر أن يغير القلوب .. ويجدد الأرواح .. فتصير منبعاً للسلام .. للرحمة .. وللحب؟ من ذا الذي يقدر أن يصالح الأرض بالسماء.. ويصالح الإنسان مع ذاته.. ويصالح الإنسان مع أخيه الإنسان؟ من هو هذا العظيم؟ .. هلم أبناء إبراهيم .. هلم نثور ونسبح ونبني ونحب. كما عاد الابن الضال لأبيه .. بعد فترة من الضياع والضلال والتيه .. يعود هذه الأيام إسماعيل إلى حضن إبراهيم أبيه .. بل يعود لحضن المسيح الموجود قبل حضن أبيه إبراهيم .. بل قبل تأسيس العالم .. يعود إسماعيل للذي أتى من السماء وتجسد لأجله.. نعم الهي ومخلصي .. أتيت لتبشر المساكين.. لتعصب منكسري القلوب .. لتنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق ..لتعزي النائحين .. لتعطيهم جمالاً عوضاً عن الرماد .. وفرحا عوضاً عن النوح .. ورداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة.. أتيت لنبني الخرب القديمة .. نجدد المدن الخربة . نبشر بالحرية وبالسلام بالشفاء والحب، قد أتيت يا الهي ومخلصي للجميع .. وها نحن أبناء إسماعيل عشنا سنيناً نجهلك .. لا نعرفك .... وفي كثير من الأوقات كنا ننكرك ، ونحاربك .. بل نعاديك . ولكن محبتك التي تفوق كل عقل وكل خيال وكل عداء.. وجدتنا.. وهدتنا ..ورحمتنا .. وقدستنا .. محبتك مخلصي أعادتنا اليك كالضال إلى حضن أبيه.. كلقيط إلى حضن أمه.. كغريق إلى سفينة الخلاص. ها نحن الهي ومخلصي بحثنا عنك فوجدتنا .. سألناك فأجبتنا.. صلينا لك فسمعت صلاتن واستجبت لنا.. أحببتنا أولاً.. ها نحن الآن لسنا عبيداً بل أبناء .. لسنا أسرى بل أحرارا .. لم نعد أشرارا بل أصبحنا أبرارا .. صرنا مثلك نحب الجميع . لذلك ها نحن أبناء إسماعيل ابن أبونا إبراهيم خليل الله قررنا أن نعلن للجميع في هذا الصفحات القليلة حبنا لك .. عشقنا لك .. خضوعنا لك .. وانتماءنا لك .. فنحن الأغصان وأنت الكرمة .. فنحن العروس وأنت عريسها .. نحن مدينتك وأنت مليكها .. إلهنا ومخلصنا. أولاد إسماعيل من وطن المسيح يعود أبناء إسماعيل في بلاد المسيح ولدت .. فلسطين الحبيبة نحن ما يطلق علينا عرب الضفة ولدت في أواخر الخمسينات تحت سقف الاحتلال .. عشت في وطن ليس بوطني (ولكن من منا يختار ميلاده أو كفنه ) . عائلتي مكونة من سبعة أولاد وأربع بنات ، مات أبى وأنا في الثامنة من عمري .. ليكتمل الحزن في قلبي ( بميلاد بلا وطن .. وطفل بلا أب ) وكأن السماء تناصبني العداء ..أظن أن زمان الطفولة هو الذي يشكل اله كل منا ، أتخيل أنكم بدأتم تشكلوا معي ملامح الهي. قريتي كانت بجوار القدس .. بجوار( أورشليم) أورشليم ..قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين .. وصالبة المسيح …
عندما تولد في القدس تصبح فدائيا قد تم ترويضه، وطفل ليس كأطفال الحجارة الثوريين ، ولكن من يقدر أن يسجن الروح والقلب ، لا الزنازين تقدر أن تفعل ذلك .. ولا قوى الاحتلال لذلك كنت احمل قلب أطفال الحجارة .. روح أطفال الحجارة .. ثورة أطفال الحجارة رغم إنني لم أر في قريتي مظاهرة واحدة أو أي نوع من انتفاضة . لكن أتذكر وأنا طفل كنت أسبح في خيالي وفي أحلام اليقظة ، التي كنت أتخيل فيها أنني أحرر فلسطين وكانت أحلام التحرير في خيالي تنتهي دائما باستشهادي . حقا كنت طفلا فلسطينيا بمعنى الكلمة رغم محاولة الاحتلال مسخ الشباب العرب لكي ينسوا جذورهم ووطنهم وبكاء أمهاتهم . وبالفعل أصبح الحزن لنا لغة تعلمناها منذ الطفولة ،عاجزون ومحاصرون في كل شيء ، في لقمة العيش وفي المسكن وفي المدرسة وفي الشارع، نحن لسنا كأطفال اليهود ، التفرقة واضحة في كل شيء وتمييز المحتل واضح لنا وضوح الشمس ( فشعب يفرق بين يهودي شرقي ويهودي غربي ، كيف لا يفرق بينه وبيننا). كل هذه الأشياء كانت تشكلني وتشكل إيماني بالله الذي كان بالنسبة لي الملجأ الأول والأخير فأنا كنت اصلي وأصوم حتى سن 15 سنة لكن ما النتيجة. ما الذي حدث .. هل حدثت معجزة فأصبحنا أحرارا ؟ هل عاد لنا وطننا؟!! هل أقام الهي شهداءنا من القبور ؟!! هل أعاد لنا أفراحنا التي ضاعت وأوقف نزيف دمائنا ؟!! هل أعاد المنفيين إلى أوطانهم ؟!! وهل .. وهل .. وهل .. ملايين من علامات الاستفهام التي تفجرت في داخلي ضد قدرنا الذي حكمت السماء به علينا لماذا الموت والإبادة والنفي والسجن يكون مصيرنا نحن دون باقي الشعوب ، هل هذه هي مشيئة السماء ؟!! وكانت الإجابة بداخلي .. نعم !! وبالتالي رفضت هذا القدر وهذا المصير وهذا الإله ، وعشت أربع سنوات لا أؤمن باله .. كفر صريح ( يسكن في القلب ويعلنه اللسان والعمل ) وبالتالي فقدت حياتي معناها وتلاشت كل القيم والمبادئ في داخلي ، وبالفعل ارتكبت كل الخطايا والذنوب ، الكبائر منها والصغائر الى أن حدث شيء كان بداية لتغيير حياتي ، وهو تعرفي على آنسة أوروبية اسمها" تينا "كانت موجودة في القدس لمدة سنة , تعارفنا و أصبحنا أصدقاء فهي ليست مثل هؤلاء الأشخاص الذين تقابلهم كل يوم بل على العكس ,هي من هذا النوع النادر الوجود الذي اذ تعرفت إليه لا تقدر أن تنساه ، إنسان بمعنى الكلمة تشع حيوية وحضورا خاصا . حضور يشعرك انك مهم وانك إنسان متحضر وان الوقت غالي , نعم هي بالحقيقة المرأة التي معها تشعر أن كل شيء تحول إلى معنى وقيمة في لحظة . و تينا تتكلم أربع لغات بطلاقة . و كانت دائماً تقول لا يوجد وجه مقارنة بين ربيع و صيف أوروبا و ربيع القدس حيث الحدائق الخلابة و الحقول المزهرة . بدأت تينا تشعر بعدم الرضا لأنها بدأت تنجذب لشخص مسلم فهي تعلم بأن عائلتها عائلة محافظة و ملتزمة جدا بالديانة المسيحية و لن تقبل أي تطور شرعي لهذه العلاقة ، و بدأت تينا تخطط للعودة إلى بلادها و كان هذا بعد عام من بقائها في القدس وقد مر علينا و كأنه يوم . و أنا أيضاً بدأت أخطط للسفر إلى أوروبا و ابتهجت تينا لقراري و بالفعل سافرت إليها و كان ذلك في يوليو 1979 و كانت تينا هي مرشدي السياحي . و أتذكر تلك الزيارة لعائلتها و كان استقبال العائلة لي دافئا تكلمنا مرة في موضوع أكل لحم الخنزير في أوروبا والدول الغربية. وعندما تكلمت مع تينا بخصوص ذلك الأمر قالت لي ما أذهلني : قالت لي أن الرب يسوع المسيح قال [ أن ما ينجس الإنسان ليس هو الطعام أو الشراب و لكن هو ما يخرج من القلب و النيات هو الذي ينجس الإنسان ! ] . كانت هذه الزيارة هي بمثابة وضع النقط فوق الحروف بالنسبة لعلاقتنا فنحن بدأنا نشعر أننا لسنا فقط صديقين بل حبيبين وبالفعل قررنا الزواج، وبالنسبة لي لم يكن قرار الزواج قرارا عاديا بل سرب إلي اللبنة الأولى بالإحساس بالمسئولية وفي هذه الفترة التي نزلت فيها القدس لأعد لزواجنا كانت أمي تنتظرني بلهفة (فأمي مسلمة متدينة و ذات شخصية قوية) قالت لي أنها ترفض ذهابي إلى أوروبا للزواج و لكن يجب على تينا أن تأتي للقدس للزواج ليكون الزواج إسلاميا و على سنة الله و رسوله ( و كان هذا هو الشائع في فلسطين فالمرأة الغربية التي تتزوج من مسلم تصبح مسلمة و ترتدي الحجاب و تتعلم اللغة العربية و القرآن ) و في ذاك الوقت كانت تينا تتوب و تعيد وتجدد علاقتها مع إلهها ومخلصها يسوع المسيح ، فأصبحت مسيحية بمعنى الكلمة وبعد ترتيب أموري سافرت إلى أوروبا وتزوجنا كان زواجنا حقا أهم خطوة وأجمل خطوة اتخذتها في حياتي في ذلك الوقت. ولم تكن تينا مسيحية بالمعنى المبتذل أو العقيم المتعارف عليه بين الزوجات المؤمنات المتزوجات رجال غير مؤمنين أو العكس ( بأن تجلس تعظ لي ليل نهار أو توبخني على أعمالي الشريرة والسلبية من وجهة نظرها أو تشعرني حتى أنى اقل منها في شيء .. لم تكن تينا زوجتي تفعل ذلك على الإطلاق بل كانت زوجة فاضلة من يجدها يتغير ويصير مخلوقا على صورة الله ) كانت خاضعة لي وكانت تعرف كيف تتعامل مع رجل شرقي له كلمته ويحترم رجولته إلى أبعد حد ، لكن كل هذا أثر في ولكن لم يغيرني بالكامل ، فما زلت أعاود أعمالي الشريرة .. أسكر وأسهر طول الليل في الحانات و خارج البيت كان كل هذا يجعلني مزاجيا جدا ,كم قاست معي تينا ، أشياء تفوق قدرة كل إنسان ( لكنها بحق امرأة تشابه المسيح ) وليتني كنت أسكر فقط , بل تعاطيت كل أنواع المخدرات ، كانت سنوات مليئة بالعبودية لإبليس ولكن كان في وسط ذلك الشوك وردة ثابتة لم تتغير محبتها ( هي زوجتي تينا ) ، التي كنت أفتخر بإيمانها وأخلاقها أمام الجميع خمس سنوات كاملة أعيش في هذا الضياع وكأنني أحضرت للموت وكأني انتحر ببطيء وكانت تينا تصلي وتدعو الله من اجلي لكي يخلصني وينقذني ، لم تصمت ولم تجعل الله يصمت وبالفعل استجابت لها السماء وكان هذا في آخر يوم من سنة 1984 كنت أمشي في الشارع مترنحا بعد ليلة طويلة من السكر قابلني شخص ودعاني أن اذهب الى منزله لأشرب معه كوبا من الشاي كنت ثملا لكني وافقت وذهبت معه ، وجلسنا نتكلم لمدة ساعتين أو اكثر ، وفي الصباح لم أتذكر إلا القليل من الحديث تذكرت انه سألني عن إيماني بالله ، وأجبته بنعم أومن بالله وبرسله وبأنبيائه موسى وعيسى ومحمد ، وقال أنا لا اعرف إلا طريقا واحدا هو الذي يدخل به الإنسان إلى السماء ( الجنة ) هذا الطريق الوحيد هو إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي به تمت المصالحة بين الإنسان و الله والذي بدونه لن تقدر أن تدخل السماء مهما فعلت من أعمال صالحة أو حسنات وقال لي اقرأ إنجيل يوحنا, هذا كل ما تذكرته وتذكرت أنني تركته وأنا متضايق جدا منه ولكني أحببت جرأته وصراحته ، ودعوته إلى منزلي وأعطيته عنواني وكان ميعادنا التالي يوم الجمعة ، وبالفعل بحثت عن إنجيل زوجتي وبدأت اقرأ في إنجيل يوحنا قرأته اكثر من مرة ، وكنت أحاول أن أكون مستعدا لنقاش يوم الجمعة الذي قررت فيه أن لا اسكر حتى أناقش وأنا في كامل قواي العقلية ، فأتى ومعه شخص أخر اسمه نيلس وبدأ يكلماني عن الله المحب لي ولكل البشر وكيف يهتم الله بكل واحد منا اهتماما خاصا ومتميزا وكيف أنتج و أثمر شر الإنسان وأنانيته كل الآلام الموجودة في الأرض ( ارض السقوط ) ولكن الله غير راض عن شر الإنسان ولا على نتائج هذا الشر ، فالله لا يريد لنا المتاعب ولا الآلام التي نجلبها على أنفسنا ( ما يزرعه الإنسان إياه يحصد ) فالله المحب الحقيقي لا يجرب أحدا بالشرور، بل هو منبع الخير والصلاح والقداسة والرعاية ، فكنت أصغي لهم بكل كياني .. كياني العطشان واليابس. و تعددت جلستي معهم و مع الإنجيل و مع زوجتي ، لدرجة أصبح فيها الدين هو مركز اهتماماتي و بحثي بعد سنين من العبث وألا شيء و كانت تينا تريد أن تجعلني أكتشف المسيح ( المسيا ) المنتظر في التوراة لكي تثبت لي أن المسيح هو محور التوراة و الإنجيل (محور الوحي) لأنها كانت تعلم أنني أجيد اللغة العبرية وهي لغة التوراة ، و بالفعل بدأت تخرج لي كل النبوات التي تتكلم عن المسيح ، التي كادت تقترب من ثلاثمائة نبوة تتكلم عن المسيح و عن ميلاده المعجزي و عن حياته و آلامه و صلبه وموته و قيامته العجيبة . كل هذا اكتشفته أنه موجود قبل المسيح بمئات و آلاف السنين ، وهذا الاكتشاف بدأ يزلزل كياني لدرجة أنني اندهشت من اليهود كيف وهم يقرءون التوراة كل يوم لم يؤمنوا بالمسيح ( المسيا المنتظر ) (فبالحق الله هو الهادي و ليست القراءة العمياء) . و بدأت أكتشف أن المسيح شخصية غير عادية فهو مركز التوراة و مازال اليهود ينتظرونه و نحن المسلمون أيضاً ننتظر المسيح كحاكم عادل و ديان الجميع . ( و طبعاً المسيحيون ينتظرون المسيح كإله و كملك ) من يكون هذا الشخص الذي ينتظره الجميع؟ يهود ومسيحيون ومسلمون؟!! إذا كان المسيح بشراً عادياً فأنه بذلك أخذ أكثر مما ينبغي حتى من الأديان الأخرى التي لها أنبياء مثله ( موسى في التوراة و محمد في الإسلام ) فبالأولى أن ينتظر اليهود موسى و المسلمون محمد و لكن لم يحدث ذلك بل مازال ينتظر الجميع يسوع المسيح . حتى معجزات المسيح لم تشابه معجزات بقية الأنبياء والسبب هنا ليس كما يقولون أن الاختلاف راجع لاختلاف الرسائل والشعوب المرسل لهم ، لكن الاختلاف هو أن المسيح هو النبي الوحيد الذي شابه الله في صفاته و في قدرته إلى درجة التطابق فكيف يعطي الله نبياً أياً كانت مكانته و رسالته هذا الامتياز (أن يكون شريكًا له في صفاته و قدراته و قداسته) بل أيضاً في محبته؟!! وصل الصراع إلى ذروته بداخلي رغم أني لم أكن مسلما متزمتا بل كنت ملحدا في كثير من الوقت ولكن ما أصعب الدين في الشرق فهو موجود في الجينات و في دمائنا و عظمنا (فلا يوجد أصعب من أن يغير الإنسان عقيدته التي ولد و تربى و نما فيها) . و كنت أفكر لو أن الحسنات تذهبن السيئات بحق فأنا أحتاج لعمر فوق عمري لكي أصنع حسنات تزيل و تمسح سيئاتي الكثيرة جداً ، لذلك لا خلاص لي بالحسنات أو الأعمال الصالحة فمن يخلصني و ينقذني من حياة الذنوب و العبث؟؟؟؟ من يخلصني إذن .. في هذه الفترة بدأ المسيح ينمو بداخلي بشكل لم ألاحظه وأخيراً لم أقوى على الصراع فصرخت إلى الله و قلت له عرفني الحقيقة من هو الدين الصحيح فالأديان السماوية تؤمن أنك واحد و لكن الاختلاف هو هل مازلت بعيداً عنا في السماء السابعة أم أنك تجسدت و صرت قريباً منا و متحد بنا . قلت له لو كنت يا يسوع المسيح حقا إلهي و مخلصي فغير حياتي و حول هذا القلب الأسود لقلب أبيض ، من قلب يكره إلى قلب يحب ، من قلب نجس و غير طاهر إلى قلب مليء بالقداسة و الطهارة و العفة و بالفعل بدأت حياتي تتغير بشكل لم أكن أتخيله و بدأت السعادة تملئ كياني بلا مخدرات أو أي نوع من الخمور. وبالفعل بدأت حياتي تتغير فأصبحت لي أهداف واضحة و مبادئ واضحة و معنى واضح لحياتي و إله مستعد أن اخسر من أجله كل شئ فهو وحده يكفيني وأخيراً ابتهجت زوجتي لأنها رأت حصاد دموعها و صلواتها و الآن أصبح بيتنا كنيسة و عروسا للمسيح و بدأت حياة الخدمة و المعجزات والاختبارات العظيمة و لكن لهذا حديث أخر لمجد يسوع المسيح. خليل كل منا يحمل نمنمات تراث عمره حيث الأحلام ، حيث الخامية و عوامل التشكيل و البصمات ، نعم أذكر كل اللحظات حتى يوم ميلادي أذكرها جيداً ، فمنذ حكت لي أمي تفاصيلها التصقت بذاكرتي و كأني أعيشها اليوم , كان يوم أربعاء من عام 1971م ، كنت الطفلة الأولى لوالدي ، كنت الفرحة الأولى و صراخ الطفل الأول في منزلنا . فأنا البكر لأربع أخوات ، حالتنا المادية تشبه أي أسرة عادية ، فأسرتنا متوسطة الحال . تعلمت في مدارس حكومية، و كان أبي يهتم قدر المستطاع بتوفير كل احتياجاتنا لأنه كان يحلم أن نحظى بقسط وافي من التعليم خاصةً أنا، و خاصةً كنا كلنا بنات و كان أبي يحلم كثيراً بأن ينجب ولداً , فكان يسعى جاهدا لتعليمنا وتوفير كل ما نحتاج إليه. أما من الناحية الدينية فقد تربينا على المبادئ و الالتزام منذ الصغر فأبي مسلم حقاً ساعدته نشأته الريفية على التمسك بكل أمور الدين و التقاليد ، أما أمي فهي أقل التزاما فكانت تصلي يوما و تنقطع أياما وأذكر خلافات كثيرة لأبي معها بسبب هذا الأمر . فقد كان يريد أن يكونا معاَ أسوة حسنة لنا حتى نلتزم دينياً نحن الأبناء . و أذكر أنه أياماً كثيرة كان يخرج ليصلي الفجر في الجامع الذي يبعد عنا بقليل كنت أصحو على صوت الأذان في بعض الأيام ، و كنت أندهش بالتزام أبي و تصميمه أن يصلي الخمس فروض في توقيتها في المسجد و لم يمنعه برد الشتاء أو حر الصيف و حتى في أيام مرضه . سألته ذات مرة ماذا لو صليت هنا نظراً لبرودة الجو ؟ فأجابني بأنه كلما خرج للجامع في وقت البرد و الأوقات المماثلة كلما جازاه الله خيراً و أعطاه ثوابا أكبر ( كان مخلصاً و ملتزماً حقاً بالإسلام و أعتقد أنه مازال بهذا الإخلاص ) . شجعني أبي أن أصوم رمضان كله و أصليه و أنا عمري سبع سنوات و قال لي حديثاً يقول [ علموهم لسبع و اضربوهم لعشر ] كنت أشعر بالجوع في صيام ذلك الوقت و لكنني كنت أصبر بإخلاص على أن أكمل اليوم و بالفعل صمت الشهر كله ، سعد أبي لذلك و أذاع الخبر على كثير من أفراد عائلتنا وكان فخورا بالتزامي . و سعدت أنا بأن الله سيجازيني خيراً بحسب قوله ، و لكنني سعدت أكثر لقدرتي على تنفيذ هذه المهمة الشاقة و حتى وصلت سن الثانية عشر كنت لا أواظب دائماً على الصلاة و كان أبي يختلف مع جميعنا على ذلك الأمر ، فالالتزام بمذاكرتنا و الالتزام بالصلاة هما أكثر موضوعين استغرقا حديثًا و توبيخاً في منزلنا طيلة حياتنا . وكان لأبي عقاباً , أرفضه بشدة إذا انقطعت إحدانا عن الصلاة لسبب غير شرعي . فكان لا يجلس معنا على مائدة الطعام ، مستشهداً في ذلك بحديث نبوي . ( و كنت أتساءل مع ذاتي كيف يقول الرسول كلاماً يساعد على تفكيك روابط الأسرة !!) أي التزام ينتظره أبي سينتج عن هذا العقاب ! و كانت الأفكار التي شربناها عن المسيحيين بأنهم كفرة ومشركين بالله و ليس مجدياً أن نصنع علاقات معهم ، إلا هذا الاستثناء , صديق واحد لأبي كان يقول انه يعرفه منذ الطفولة و كانت بينهم علاقة محبة تتضح عندما كان يأتي عندنا هذا الصديق هو و زوجته و أبنه لكي يشاركونا أفراحنا و أعيادنا ، ولكن في كل مرة كان أبي يقول شيئاً يجعلني أندهش بعدما يمضي صديقه المسيحي فكان يقول [ خسارتك يا فوزي في المسيحيين ، يا سلام لو كنت مسلما ] . ثم في الثالثة عشر بدأت مرحلة دراسية جديدة ( إعدادي ) و في أول يوم للدراسة و نحن نتهافت على أماكن المقاعد المفضلة و نتعارف ، جلست بجواري فتاة تدعى مارسيل . كان اسما جديدا على مسامعي و كانت تجربة جديدة أيضاً، ففي مقعد واحد لمدة عام دراسي كامل كان عليه أن أتعامل مع هذه المسيحية ( الكافرة ) و لكني سرعان ما تعارفت أكثر عليها فوجدتني أنجذب إليها ، فمازلت أذكر البراءة المنحوتة في ملامحها ، حتى الآن وداعتها تخايلني و كأنما كنا معاً منذ أيام لا سنين و أذكر ذات مرة أنها سألتني ماذا معك من ساندويتش فقلت لها جبنه رومي فقالت لنتبادل فأنا معي مرتديلا فانزعجت و قلت لها مار سيل نحن المسلمين لا نأكل لحم الخنزير فهو محرم علينا. فسألتني هي لماذا ؟ فقلت لها لأن الله يخاف علينا و هذا اللحم هو مضر لصحتنا ، فنظرت إلي و شردت عيناها و التزمت الصمت . ففكرت أنا بداخلي لو كانت إجابتي منطقية و صحيحة فلماذا لم يضر كل هؤلاء المسيحيين على مر الزمان من أكل الخنزير ! و لكنني لم أجد إجابة ، و لم أرهق نفسي في البحث عنها ، فنسيت الأمر . و مر العام الأول على هذه العلاقة البسيطة الجميلة و في العام الثاني في يوم دراسي كانت مارسيل تبحث في حقيبتها عن بعض الأشياء فأخرجت كل كتبها على المنضدة فأمسكت بكتابها الديني ، و تفجر في حب استطلاع لم أعهده في ذاتي من قبل و لم يفارقني من وقتها . و طلبت منها أن أنظر في كتابها الديني و أخذت أتصفحه وقعت عيناي على جملة تقول (كان يسوع يجول يصنع خيرا) فسألتها من هو يسوع هل هو شخص : فأنا لأول مرة أعرف هذا الاسم ؟ ! فأجابتني مارسيل أنه المسيح ، أغلقت الكتاب و أعطيتها إياه و لكن ظلت هذه الجملة عالقة بذهني أريد أن أكتشفها ، شخص يجول يصنع خيراً ما أجمل هذا الشخص المتفرغ للخير . و ببراءة شديدة لم أعد أذكرها جيداً ذهبت الى المنزل و كلي رغبة في اقتناء إنجيل يحدثني عن هذا الشخص فطلبت من أبي ذلك و حكيت له ما حدث ، و لا أدرى بعد ذلك ماذا حدث ! ثورة عارمة في منزلنا ، ضربات تنهال علي و ترديد لجملتين (دول كفرة ، الإنجيل ده محرف) فبكيت و قدمت ندما على ما فعلت و تبت . وبعد فترة وجيزة اشتعلت في الرغبة من جديد فطلبت من مارسيل أن تحدثني عن يسوع ، فقالت لي أنه |